أحمد بن محمد مسكويه الرازي

284

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

إذا فرضت فرضا ، وليست لها عين قائمة فلذلك لا نقصد ولا يمكن استخراجها ، لأنها مجهولة ولأنها شائعة في جميع الدائرة . واما الطرفان اللذان يسمّيان متضادّين فهما موجودان معينان ، لأنهما طرفا خط مستقيم معين ، والبعد بينهما غاية البعد ، مثال ذلك : إنّا إذا أخرجنا من مركز الدائرة خطا مستقيما إلى المحيط صار طرفاه محدودين أحدهما المركز والآخر نهايته عند المحيط ، والبعد بينهما غاية البعد . ومثاله من المحسوس البياض والسواد ، فان أحدهما يضاد الآخر ، وهما محدودان موجودان والبعد بين الضدين غاية البعد ، فأما الأوساط التي بينهما فهي بلا نهاية ، وكذلك الألوان هي بلا نهاية . واما أطراف الفضيلة فلمّا كانت أكثر من واحد لم تسلّم ضدا ، لأنّ لكلّ ضد ضدا واحدا ، ولا يمكن ان توجد اضداد كثيرة لضد واحد ، والسبب في ذلك ان البعد بينهما غاية البعد . وقد نجد للفضيلة الواحدة أكثر من طرف واحد ، وذلك إذا تصورنا الفضيلة مركزا وأخرجنا منه خطا مستقيما فحصلت له نهاية أمكننا ان نخرج من الجانب الآخر المقابل له خطا على استقامته ، فتصير له نهاية أخرى ويصيران جميعا مقابلتين للمركز الذي فرضناه فضيلة ، إلّا أنّ إحداهما تجري مجرى الإفراط والغلو ، والأخرى تجري مجرى التفريط والتقصير . وإذا قد فهم ذلك فليعلم ان لكل فضيلة طرفين محدودين يمكن الإشارة اليهما وأوساط بينهما كثيرة لا نهاية لها ، ولا يمكن الإشارة إليها ، إلا أن الوسط الحقيقي هو واحد ، وهو الذي سميناه فضيلة ، ثم ليعلم أنا بحسب هذا البيان نجعل أجناس الشر رذائل ثمانية لأنها ضعف الفضائل الأربع التي تقدّم شرحها وهي هذه : التهور والجبن طرفان للوسط الذي هو الشجاعة . والشره والخمور طرفان للوسط الذي هو العفة .